طباعة
الأربعاء, 24 آب/أغسطس 2011 21:18

يوم آخر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 يوم آخر

"أمّي الطقس باردٌ جدّا". كان هذا آخر ما نتقطه الفتاة الصغيرة "سلمى" قبل أن يتجمّد الدّماء في عروقها، و تزرقّ شفتيها و تفارق الحياة البائسة التّي كانت تعيشها.

 

ماتت على حضن أمّها خلال اختبائهما من القصف، ولكن، الأمّ لم تبكِ، بل ابتسمت ! وكيف لا تبنسم و ابنتها الّتي تحبّها ستذهب إلى مكان بديع تكسوه المساحات الخضراء و تلمس فيه الأشجار السّماء، وتتدلّى الفاكهة اللّذيذة لها كي تقطفها، وكلّ ما تتمنّاه هناك، تدركه.

لن تحزن الفتاة بعد الآن و لن تبرد و لن تجوع و لن تخاف و لن تقلق و لن تتألّم، فلماذا تحزن الأمّ المحبّة؟ بل كانت تتمنّى لذاتها اللحاق بابنتها و الخروج من هذا البؤس.

        أيّ بؤس تقصد؟ أهو بؤس الفقر أم بؤس المرض، بؤس الجوع أم بؤس الوحدة، بؤس الخوف، بؤس الشّتاء الّذي لا ينتهي. كلّ ذلك يشعر به مئات بل آلاف الأشخاص...ولكن، أين ممكن أن نجد كلّ هذا الحزن و الأسى و تمزّق القلوب؟ نجده في أرض القدس، في فلسطين، تحت أيدي اليهود. مسكينةٌ أنت أيّتها الأمّ المكسورة. مسكينة لأمر أعظم من موت ابنتك، هو موت أرضك.

        إنّ فلسطين تموت و القدس يذوب امام أعيننا، و رؤساؤنا و الشّعب العربي يمرح و يلهو. كما أنّ شبابنا يستمعون إلى الموسيقى و يبحثون عن الشهرة و يأكلون ما لذّ و طاب و يحزنون لخسارة فريق و يسعدون بعطلة تبعدهم عن التعلّم و يتنافسون على شراء الثّياب، بينما شباب فلسطين يستمعون إلى صوت القصف المرعب و يبحثون عن حجارة لرمي الجيش الصّهيونيّ و يأكلون ما تبرّع بهم المحسنين و يحزنون لخسارة صديق و يسعدون بيوم مدرسيّ و جامعيّ و يتنافسون على البقاء أحيائا.

        ثمّ هدأ القصف قليلاً، فقامت الأمّ حاملةً جثّة ابنتها الهامدة على كتفيها و مشت في الشّوارع محاولةً أن تكتشف أيّ بيتٍ مهدّمٍ هو بيتها. و بينما هي على هذه الحال، مرّت قرب مقبرة كبيرة كانت قد مرّت بها دبّابة اسرائليّة رسمت آثارها على قبور النّاس، فدخلتها و رأت عشرات الأشخاص يدفنون أمواتهم، فانضمّت إليهم و حفرت حفرة عميقة بمساعدة احد الشبّان هناك، ثمّ رمت ابنتها فيها و طمرتها و كأنّها طمرت قلبها معها، وجلست قربها.

      في اليوم التّالي، قامت أمّ سلمى من أمام قبر ابنتها و ذهبت تمشي في الشّوارع. لمحت أمّ سلمى استراحة صغيرة مكتظّة بالنّاس، فاقتربت تستطلع الوضع. فوجئت المرأة برؤيت ذلك الحشد مجتمع على تلفاز-و قد كان امراً غريباً في تلك الأيّام- يعرض مقابلةً بين مذيعةٍ و رئيس احدى الدّول العربيّة.

        جلست حينها مع عدّة أشخاصٍ لتشاهد ماذا سيقول:

-المذيعة: مرحباً مشاهدينا. اليوم معنا رئيس جمهوريّة البلد العربي(تذكر البلد)، و موضوعنا معه هو عن عمليّة تهويد القدس. بدايةً أريد و المشاهدين أن نعرف ما معنى تهويد القدس.

-الرئيس: تهويد القدس هي المحاولات المستمرّة من قبل اسرائيل و جيش الاحتلال من أجل نزع الهويّة العربيّة الاسلاميّة التّاريخيّة من مدينة القدس و فرض طابع مستحدث جديد و هو الطّابع اليهوديّ.

-المذيعة: و ما هي الوسائل المستخدمة لتهويد القدس؟

-الرئيس: الوسائل الّتي سأتكلّم عنها أربعة. أوّلا، الاستيطان ومصادرة الأراضي. ثانيا، تهجير الفلسطينيين وسحب الهويات منهم. ثالثا، المساندة الدولية و الموقف الأمريكي نموذجا. رابعا، إصدار القوانين.

-المذيعة: ما المقصود بالاستيطان ومصادرة الأراضي؟

-الرّئيس: سعت إسرائيل خلال العقود الماضية إلى استكمال مخططه الاستيطاني الهادف للسيطرة الكاملة على مدينة القدس، حيث عمل على تحقيق ذلك من خلال توسيع ما يسمى بحدود القدس شرقا وشمالا، وذلك بضم مستوطنات كثيرة إليه. مما أدى إلى مضاعفة عدد المستوطنين وفي نفس الوقت قللت نسبة السكان العرب الفلسطينيين الذين يشكلون ثلث سكان القدس أي حوالي 220 ألف نسمة بما فيها الجزء المضموم 380 ألف نسمة. ومن الجدير ذكره أن عدد المستوطنات في القدس حسب إحصائيات مركز أبحاث الأراضي 29 مستوطنة. و لا شك في أن لعملية الاستيطان اليهودية في القدس وضواحيها آثار كبيرة على السكان الفلسطينيين يمكن إجمال هذه الآثار بالنقاط التالية: 1.مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي التابعة للقرى التي أقيمت عليها المستوطنات. 2.تطويق التجمعات السكنية الفلسطينية والحد من توسعها. 3. تهديد بعض التجمعات السكانية الفلسطينية بالإزالة. 4.إبقاء فلسطيني القدس وضواحيها العزل في حالة خوف ورعب دائمين، من خلال الاعتداءات المتكررة عليهم من قبل المستوطنين المدججين بالسلاح. 5.عزل مدينة القدس وضواحيها عن محيطها الفلسطيني في الشمال والجنوب. 6.فصل شمال الضفة عن جنوبها، والتحكم في حركة الفلسطينيين بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. 7. قطع لتواصل الجغرافي بين أنحاء الضفة الغربية وتقسيمها إلى بقع متناثرة والحيلولة بالتالي دون إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. 8. تشويه النمط العمراني الرائع للقدس العتيقة والقرى الفلسطينية المحيطة. 9. هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

-المذيعة: و ماذا عن الوسيلة الثّانية؟

-الرّئيس: تعتبر سياسة تهجير الفلسطينيين من مدينة القدس أحد الوسائل المعتمدة لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي من أجل خلق واقع جديد يكون فيه اليهود النسبة الغالبة في مدينة القدس، وقد وضعت الحكومات المتعاقبة لدولة الاحتلال مخططات من أجل ذلك، نتبين ذلك من خلال:

-التصريحات التي أعلنها رئيس الوزراء"شارون" بمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثين لاحتلال القدس الشرقية، والتي واصل فيها أكاذيبة بالإعلان عن أن القدس ملك لإسرائيل وأنها لن تكون بعد اليوم ملكا للأجانب.

-ما أعلنه "شيمون بيرز " بضرورة التهجير الجماعي للفلسطينيين من مدينة القدس والذين يقدر عددهم بنحو 240 ألف مواطن.

- بيان صادر عن مجلس وزراء دولة الاحتلال بعنوان "خطة تنمية القدس"  تضم تنفيذ مخطط استيطاني جديد يشمل هدم 68 مسكنا فلسطينيا وتشريد 200 عائلة من سكانها بحي البستان في بلدة سلوان.

- كما يشمل تنشيط المنظمات اليهودية المتطرفة لجذب أموال اليهود الأمريكيين من الأثرياء لشراء ممتلكات في القدس في صفقات مشبوهة. -مشروع قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يشترط الاعتراف بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية مستقبلا، بهذه الإجراءات تحاول دولة إسرائيل باستماتة فرض الأمر الواقع على الأرض، وإدخال قضية القدس هذه المرحلة الخطيرة، كما تشكل هذه الإجراءات انتهاكا صارخا للقرارات والقوانين الشرعية الدولية، حيث ينص قرار "مجلس الأمن 242 " على أن القدس الشرقية والضفة الغربية والقطاع، ضمن الأراضي العربية المحتلة عام 1967. -مما يقتضي عودة إسرائيل إلى حدودها، وهو ما شملته أيضا رؤية بوش وخريطة الطريق والمبادرة العربية.

كما عملت حكومات الاحنلال الإسرائيلي المتعاقبة على تنفيذ توصية "اللجنة الوزاريّة لشؤون القدس" لعام 1973 برئاسة "غولدا مائير"  والتي تقضي بأن لا يتجاوز عدد السكان الفلسطينيون في القدس 22% من المجموع العام للسكان، لذلك فقد لجأت سلطات الاحتلال إلى استخدام الكثير من الأساليب لتنفيذ هذه الوصية والتي كان آخرها سحب الهويات من السكان العرب في القدس.

-المذيعة: أجل و هل من دول ساندت اسرائيل؟

-الرّئيس: أجل، هناك أمريكا ففي إطار الدعم الأمريكي لدولة الاحتلال الإسرائيلي، يحاول الأمريكان جاهدين فرض سياسة الأمر الواقع على مدينة القدس كعاصمة موحدة لدولة الكيان الإسرائيلي ويتبين ذلك من خلال جملة من الخطوات التي تم اتخاذها أهمها:

-نجاح لجنة العلاقات العامّة الأمريكيّة "إيباك"، إحدى جماعات الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة في دفع أحد رجال الكونجرس إلى تقديم مسودة مشروع قرار يطالب بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل لا تقبل التقسيم.

- يشمل مشروع القانون الذي تقدم به السيناتور "بروادنباك" في 19/4/2005 الآتي:

أ‌- يجري تداول مشروع في مجلس الشيوخ والكونجرس يدعو للاعتراف بالقدس كعاصمة غير مقسمة لإسرائيل قبل 180 يوما من اعتراف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية.

ب‌- تشريع مشترك:

من أجل توفير الاعتراف بالقدس كعاصمة غير مقسمة لإسرائيل قبل اعتراف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية ولغايات أخرى، فإن مجلس الشيوخ(الكونجرس) الأمريكي يقرر: الجزء الأول : هذا التشريع المشترك يمكن تسميته بتشريع القدس. الجزء الثاني : توصل الكونجرس إلى النتائج المغلوطة التالية: 1- لقد كانت القدس عاصمة الشعب اليهودي لأكثر من 3 آلاف عام. 2- لم تكن القدس أبدا عاصمة لأي دولة أخرى غير الشعب اليهودي. 3- القدس مركزية لليهودية وقد ذكرت في التوراة أنجيل اليهود – 766 مرة. 4- لم تذكر بالاسم في القرآن. 5- القدس هي مقر الحكومة الإسرائيلية بما فيها الرئيس والبرلمان والمحكمة العليا. 6- ينص قانون الولايات المتحدة الأمريكية على أن سياسة الولايات المتحدة هي أن القدس يجب أن تكون العاصمة غير المقسمة لإسرائيل. 7-لكل دولة سيادية الحق في تحديد عاصمتها. 8- إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا تقيم فيها الولايات المتحدة سفارة في المدينة المعلنة كعاصمة ولا تعترف بالمدينة كعاصمة. 9- يجب السماح لمواطني إسرائيل بحرية العبادة طبقا لتقاليدهم. 10-تدعم إسرائيل الحرية الدينية لجميع المعتقدات. 11-يعبر نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس عن دعم الولايات المتحدة المتواصل لإسرائيل وللقدس غير المقسمة. الجزء الثالث: يتم نقل موقع سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس في مدة لا تزيد عن 180 يوما قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. الجزء الرابع: الاعتراف بالقدس غير المقسمة عاصمة لإسرائيل لن تعترف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية حتى قيام المجتمع الدولي بحل وضع القدس بالاعتراف بالمدينة على أنها العاصمة غير المقسمة لإسرائيل. الجزء الخامس: موقف الكونجرس من حرية العبادة يتمثل موقف الكونجرس في وجوب السماح لمواطني (إسرائيل) كحق أساسي من حقوق الإنسان المعترف بها من الولايات المتحدة، وقرار الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة رقم 181 الصّادر في 29 نوفمبر 1947 بالعبادة بحرية وطبقا لتقاليدهم.

-المذيعة: أمرٌ مهمّ! و الآن نرجو من سيادتك اخبارنا عن وسيلة إصدار القوانين.

-الرّئيس: سأتكلّم عن قانون التّنظيم و التّخطيط. كان من الأساليب المبتكرة لسلطات الاحتلال من أجل تهويد مدينة القدس إصدار ما يسمى بقانون التنظيم والتخطيط، الذي انبثق عنه مجموعة من الخطوات الإدارية والقانونية المعقدة والتعجيزية في مجالات الترخيص والبناء، بحيث أدى ذلك إلى تحويل ما يزيد على 40% من مساحة القدس إلى مناطق خضراء يمنع البناء للفلسطينيين عليها، وتستخدم كاحتياط لبناء المستوطنات كما حدث في جبل أبو غنيم، وقد دفعت هذه الإجراءات إلى هجرة سكانية عربية من القدس إلى الأحياء المحيطة بالمدينة نظرا إلى سهولة البناء والتكاليف. وفي العام 1993 بدأت مرحلة أخرى من تهويد القدس، وهي عبارة عن رسم حدود جديدة للمدينة (القدس الكبرى) المتروبوليتان، وتشمل أراضي تبلغ مساحتها 600 كم2 أو ما يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية لتبدأ حلقة جديدة من إقامة مستوطنات خارج حدود المدينة هدفها الأساسي هو التواصل الإقليمي والجغرافي بين تلك المستوطنات لإحكام السيطرة الكاملة على مدينة القدس. و آه كم يؤلمني أن أرى القدس على هذه الحال...

-المذيعة: و ماذا تنوون حضراتكم أن تفعلوا لوقف كل هذا الألم؟

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

"ولكن ما هذا؟ لماذا شُوِّشت المحطّة؟" صرخ أحد الجالسين في الاستراحة، و لكنّ احداً لم يجب. الكلّ يعرف لماذا... وما الأمر الغريب في الموضوع؟

              قامت أمّ سلمى بعد ذلك و توجّهت إلى المقبرة الكبيرة حيث قبر ابنتها. ولمّا وصلت، جلست قرب القبر و بكت قائلة: "آه لو ترين ما يحدث للقدس يابنتي. أنا فقدت أعزّ ما أملك، أنت و أرضي. يا ربّ، انتقم لي من اليهود الصّهاينة القردة... لقد سلبوا منّي حياتي وليس لي مأوى ولا ملجاً ألتجأ اِليه".

           و بعدها راحت تبك بهدوء و تتمتم:" يالّا تنام، يالّا تنام، ادبحلو طير الحمام، روح يا حمام لا تصدّق، عم اِضحك على سلمى لتنام....."، و بينما هي هكذا جاء جندي اسرائيلي جسيم مسلّحٌ و وقف قربها و قال بلغة عربيّة مقطّعة و بتلعثم: "أنتِ أيّتها المرأة تعالي معي بدون مجادلات". وقفت أمّ سلمى و ذهبت معه لا مبالية و لا خائفة. توقّف الجندي في شارع مقصوفٍ خالٍ من البشر و قلع سترته و استدار نحوها و قد ظهرت ابتسامة خبيثة على وجهه...

...... "أين أنا ؟" قالت أمّ سلمى بعدما أفاقت من نومٍ عميق. لم يجب أحد، فوقفت ورأت نفسها في منطقة ولا أجمل قرب قصرٍ كبير من ذهب و ألماس، و اللؤلؤ متدلٍّ من السماء. كما رأت فتاة صغيرة تلعب و تمرح و تركض نحوها قائلةً:"ماما!"

 
قراءة 2018 مرات آخر تعديل على السبت, 05 كانون1/ديسمبر 2015 12:37
مجتمع مراسلون

أحدث منشورات مجتمع مراسلون

البنود ذات الصلة (بواسطة علامة)